أمومة وتربية

خسارة الوزن أثناء الرضاعة الطبيعية بأمان: كيف تستعيدين رشاقتك دون تقليل إدرار الحليب؟ 

خسارة الوزن أثناء الرضاعة الطبيعية بأمان: كيف تستعيدين رشاقتك دون تقليل إدرار الحليب؟ 
شارك الموضوع

خسارة الوزن أثناء الرضاعة الطبيعية بأمان ليست ممتازة وممكنة فحسب. بل إن عملية إنتاج الحليب نفسها تُعدّ حليفًا أيضيًا يساعد جسمكٍ على حرق الدهون المخزنة بفاعلية. بشرط اتباع نهج متوازن ومبني على أسس علمية سليمة.

فالكثير من الأمهات الجدد يرغبن بشدّة في استعادة لياقتهن البدنية، والتخلّص من الوزن الزائد الذي اكتسبنه خلال رحلة الحمل. ومع ذلك، يرافق هذا التطلّع قلقٌ طبيعي من أن يؤدّي اتباع حمية غذائية إلى تراجع كمية الحليب المخصّصة للطفل. 

لذلك، يجب معرفة أن جسمكِ يُفرز هرمون الأوكسيتوسين خلال الرضاعة الطبيعية. وهو يسهم في إدرار الحليب، كما يحفّز انقباضات الرحم المتتالية ليعود إلى حجمه الطبيعي بسرعة. ما يقلل البروز الفسيولوجي للبطن بشكل طبيعي.

يعد التوقيت العامل الأكثر أهمية لضمان سلامة إدرار الحليب وتعافي جسم الأم. حيث تشير التوصيات الطبية الصارمة إلى ضرورة تجنب أي محاولة لتقليل السعرات الحرارية خلال الأسابيع الستة إلى الثمانية ( 6-8) الأولى بعد الولادة. أو حتى يبلغ الطفل شهرين إذا كان معتمدًا كليًا على الرضاعة الطبيعية.

وتعرف هذه الفترة بمرجعية تثبيت إنتاج الحليب (Lactation Establishment). حيث يعتمد جسمكِ على الهرمونات، وتكرار الرضاعة لتحديد حجم الإنتاج المستقبلي الذي يحتاجه طفلكِ.

تكون البيولوجيا الجسدية في هذه المرحلة في حالة تعافٍ وتكيّف. ما يجعل الشروع في الحميات الغذائية مبكرًا. إذ يمكن أن يرسل ذلك إشارات إجهاد للجسم تؤدي إلى انخفاض هرمون البرولاكتين (Prolactin). ما قد يُضر بتدفق الحليب بشكل دائم.

انتظري حتى يكتمل فحص ما بعد الولادة. وتأكدي من انتظام نمو طفلك وثبات نمط الرضاعة، مع إمكانية البدء المباشر بتمارين تقوية قاع الحوض أو ما يُعرف باسم: تمارين كيغل، لعلاج الانفصال العضلي وتجهيز الجسم قبل إدخال أي تعديلات غذائية.

تستهلك عملية الرضاعة الطبيعية طاقة كبيرة من جسم الأم. حيث تشير الدراسات إلى أن إنتاج الحليب يتطلب حرق ما بين 300 إلى 500 سعرة حرارية يوميًا. وهو ما يعادل بذل مجهودٍ بدني متوسط إلى شديد. بناءً على ذلك، لا تحتاجين إلى حرمان نفسك للتخلص من الوزن الزائد.

أظهرت الأبحاث العلمية أن فقدان الوزن بمعدل يتراوح بين 0.5 كيلوغرام إلى 1 كيلوغرام أسبوعيًا (أو ما يقارب 2 كيلوجرام شهريًا) يُعتبر أمرًا آمن تمامًا، ولا يؤثر سلبًا في كمية الحليب أو جودته الغذائية.

يجب ألا يقل متناول الأم المرضع الغذائي عن 1800 إلى 2000 سعرة حرارية يوميًا (وقد يصل إلى 2200 سعرة بحسب وزن الأم ونشاطها). تقليل السعرات الحرارية إلى أقل من 1500–1800 سعرة يُدخل الجسم في حالة من التوتر الأيضي والمجاعة، ما يدفع الدماغ إلى تقليل إنتاج الحليب للحفاظ على الطاقة المتبقية لعمليات الجسم الحيوية.

المؤشر المعدل الموصى به
السعرات المستهلكة في إنتاج الحليب 300 – 500 سعرة حرارية/يوم
معدل نزول الوزن الآمن أسبوعيًا 0.5 – 0.8 كيلوغرام
الحد الأدنى من السعرات اليومية 1800 – 2000 سعرة حرارية

تشتكي الكثير من الأمهات من نوبات جوع وشراهة شديدة. وبخاصة في الساعات المتأخرة من الليل. الفهم الجيد لهذه التغيرات الهرمونية هو الخطوة الأولى لتفادي زيادة الوزن:

الخلط بين العطش والجوع ليلاً: يتسبب هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) المفرز بكثرة أثناء الرضاعة في إرسال إشارات سريعة للمخ تحفز العطش الشديد. وفي كثير من الأحيان، يخلط الدماغ ليلاً بين إشارة العطش وبين الجوع القهري. والحل العملي هو شرب كوب من الماء الدافئ قبل البدء بالرضعة الليلية مباشرة.

إدارة السناك البروتيني الليلي: تعب الجهاز العصبي وانخفاض سكر الدم ليلاً يسببان رغبة عارمة في تناول الحلويات والشوكولاتة. لذلك، يُنصح بتحضير سناك غني بالبروتينات الصحية مسبقًا بجوار السرير. على سبيل المثال: التمر المحشو بزبدة اللوز أو المكسرات النيئة، لتجنب الذهاب للمطبخ وتناول السكريات المصنعة.

تأثير هرمون الكورتيزول وقت تقسيم الوجبات: ترفع عوامل كقلة النوم والضغط العصبي مستوى هرمون الكورتيزول الذي يشجع الجسم على تخزين الدهون في منطقة البطن. ويكمن الحل في تقسيم الطعام من 5 إلى 6 وجبات صغيرة متوازنة (كل 3 أو 4 ساعات) بدلاً من 3 وجبات رئيسية. الأمر الذي من شأنه أنيحافظ على استقرار سكر الدم، ويمنع نوبات الجوع الشديدة.

لضمان حصول طفلكِ على كامل العناصر الغذائية وحمايتكِ من النقص، يُوصى باتباع دليل الحصص الغذائية اليومية التالي:

الخضروات والبقوليات (7.5 حصة يوميًا): مثل نصف كوب خضار مطبوخة، كوب خضار ورقية طازجة (سبانخ، جرجير، بروكلي)، أو نصف حبة بطاطس/بطاطا حلوة.

الحبوب الكاملة والنشويات الصحية (9 حصص يوميًا): مثل شريحة خبز أسمر، نصف كوب أرز بني، معكرونة شوفان، أو كينوا مطبوخة.

الفواكه (حصتان يوميًا): حبة فاكهة متوسطة (تفاح، موز، برتقال)، أو كوب فواكه مقطعة، أو 30 غرامًا من الفواكه المجففة.

البروتينات المعتدلة (2 إلى 3 حصص يوميًا): مثل 100 غرام من اللحم أو الدجاج المشوي، 150 غرام فيليه سمك، بيضتان، أو 40 غرام مكسرات نيئة/زبدة فول سوداني.

منتجات الألبان قليلة الدسم (2.5 حصة يوميًا): كوب حليب، علبة زبادي يوناني، أو شريحتان من الجبن الطبيعي خفيف الملح لتأمين الكالسيوم ومنع خسارة الكتلة العظمية.

الزيوت الصحية (1 إلى 2 ملاعق كبيرة يوميًا): المأخوذة من الزيوت غير المشبعة كزيت الزيتون البكر والأفوكادو.

إن تحقيق خسارة الوزن أثناء الرضاعة الطبيعية بأمان يعتمد على جودة الطعام وتقنيات تحضيره لزيادة معدل التمثيل الغذائي دون المساس بحليب الطفل:

استغلال التأثير الحراري للبروتين (TEF): يحتاج الجسم لطاقة وسعرات حرارية أعلى لهضم البروتينات مقارنة بالكربوهيدرات والدهون،. ما يرفع معدل الحرق الطبيعي تلقائيًا.

اعتماد أساليب الطهي غير القلي: احرصي على الشوي، الطهي على البخار، أو استخدام القلاية الهوائية (Air Fryer). حيث إن القلي يضاعف السعرات الحرارية دون تقديم قيمة غذائية للرضيع.

التركيز على الكربوهيدرات المعقدة والدهون الصحية: تسهم أغذية كالشوفان والكينوا والأرز افي استقرار مستويات السكر في الدم. ويعد الشوفان مدرًّا طبيعيًا للحليب. كما أن الدهون الصحية من زيت الزيتون والمكسرات ضرورية لتطور دماغ الرضيع.

الترطيب الذكي وشرب الماء: لا داعي للإفراط الإجباري في شرب كميات هائلة من الماء؛ استجيبي لإشارات العطش واحرصي على شرب كوب ماء مع كل حصة رضاعة (بما يعادل 8–12 كوبًا أو 2.5 ليتر يوميًا).

اختيار الأسماك الآمنة منخفضة الزئبق: تناولي الأسماك الغنية بالأوميغا 3 والمفيدة للرضاعة مع تجنب تلك التي من المحتمل أن تحتوي على مستويات عالية من الزئبق. إذ يمكنكِ اختيار أنواعًا مثل السلمون، التونة المعلبة خفيفة الحفظ، البلطي، والقد.

لا يقتصر التزام الأم المرضع ببرنامج المكملات الغذائية الموصى به من قبل الطبيب على صحة الطفل فقط. بل يؤدي دورًا مباشرًا في تنظيم عمليات الحرق. فنقص عناصر مثل الحديد وفيتامين (D) يؤدي إلى الشعور بالخمول والإرهاق المستمر وإبطاء عملية الحرق مهما التزمتِ بالسعرات.

لذلك،  من المهم أن تواظبي على تناول الحديد، الكالسيوم، فيتامين D، حمض الفوليك، ومكملات أوميغا 3 لضمان تعافي متكامل لجسمكِ وتنظيم هرموناتكِ.

قد تشيع في بعض الأوساط المجتمعية الكثير من المغالطات حول أغذية معينة قد تتسبب في زيادة مفرطة بالوزن لدى المرضعات:

خرافة “مدرات الحليب السكرية”: يروّج البعض لتناول الحلاوة الطحينية، الحلبة بالعسل الأسود، المهلبية، والكنافة بحجة زيادة اللبن. والحقيقة أنه لا توجد أدلة طبية مثبتة تدعم ذلك. حيث يعتبر معظم هذه الأغذية سكريات مكررة وسعرات فارغة تتحول إلى دهون مخزنة. لذا، يمكن استبدالها بالشوفان والمكسرات والماء.

خطر العصائر المعلبة: حتى وإن كتب عليها “طبيعية %100″، فإنها تفتقر للألياف وتحتوي على نسب سكر عالية تسبب ارتفاعًا حادًا في الإنسولين يعقبه هبوط سريع يُشعل الشهية.

لكي تتابعي سلامة طفلك أثناء تطبيق خطوات خسارة الوزن أثناء الرضاعة الطبيعية بأمان، راقبي علامات الشبع والتغذية التالية:

مؤشر الحفاضات المبللة: يبلل الرضيع الشبعان من 6 إلى 8 حفاضات يوميًا. وقد يكون عدد الحفاضات الأقل من ذلك مؤشر واضح على انخفاض إدرار الحليب نتيجة تقليل السعرات أو الجفاف.

1. استيقاظ الطفل بطلب الرضاعة خلال أقل من ساعة من آخر حصة رضاعة.

2.البكاء والعصبية الشديدة والضغط على الثدي في أثناء الرضاعة.

3.الرضاعة بقوة دون سماع صوت البلع المنتظم.

زيدي متناولكِ اليومي فورًا بمقدار 200 إلى 300 سعرة حرارية من البروتينات والكربوهيدرات المعقدة. واشربي كميات إضافية من السوائل مع زيادة عدد حصص إرضاع الطفل أو شفط الحليب إن كنتِ تعتمدينه.

تسهم ممارسة الرياضة المناسبة في حرق السعرات، وتحسين الصحة النفسية دون الإضرار بإنتاج الحليب:

تجهيز الوجبات المسبق (Meal Prep): يحول إعداد وجبات صحية خفيفة غنية بالبروتين (كالبيض المسلوق واللبن اليوناني) دون اللجوء للحلويات والأطعمة المصنعة عند الشعور بالجوع المفاجئ.

المشي مع حمالة الأطفال أو العربة: يعد المشي اليومي لمدة 30 إلى 45 دقيقة في أثناء دفع العربة أو حمل الطفل وسيلة ممتازة لحرق السعرات وتحسين المزاج.

الرياضات منخفضة الشدة: بعد الحصول على الموافقة الطبية (عادة بعد 6 أسابيع)، تُعد السباحة وركوب الدراجة الثابتة من الرياضات المثالية للبدء بمعدل 20 إلى 30 دقيقة يوميًا والتدرج نحو 150 دقيقة أسبوعيًا.

تُقبل بعض الأمهات على ممارسات خاطئة نتيجة الرغبة السريعة في استعادة شكلهن الجسماني السابق. ما يؤدي إلى نتائج عكسية:

الاتباع المفاجئ لحميات قاسية (Crash Diets): يحفز الحرمان الشديد الجسم على حبس الدهون وإبطاء التمثيل الغذائي. كما يُقلل السائل المفرز في الحليب.

الاعتماد على حمية الكيتو الشديدة:  يؤثر خفض الكربوهيدرات إلى مستويات متدنية للغاية في ستويات الطاقة. وقد يرفع خطر حماض الدم الكيتوني (Ketoacidosis) لدى المرضعات.

استهلاك مشروبات وشاي التخسيس وأدوية الحرق: تحتوي معظم المنتجات التجارية المخصصة للتخسيس على ملينات ومحفزات كيميائية قد تنتقل عبر حليب الأم إلى الطفل وتسبب له اضطرابات معوية خطيرة.

لا تتسبب الممارسة المعتدلة إلى المتوسطة للرياضة في تغيير طعم الحليب إطلاقًا. فقد يطرأ الارتفاع البسيط في حمض اللاكتيك فقط عند ممارسة التمارين المجهدة جدًا. وحتى في هذه الحالة النادرة، فإن الحليب يظل آمنًا للرضيع من الناحية الصحية.

إذا لاحظتِ تراجعًا في عدد الحفاضات المبتلة لطفلك، زيدي متناولك اليومي من السعرات بمقدار 200 إلى 300 سعرة حرارية فورًا. وزيدي عدد مرات إرضاع الطفل أو شفط الحليب لرفع التنبيه الهرموني.

لا، ليست آمنة. يمنع تناول أدوية أو مكملات حرق الدهون خلال فترة الرضاعة لعدم وجود أبحاث كافية تؤكد سلامتها على الرضيع و عدم إمكانية عبور تلك العناصر للرضيع عبر الحليب.

الكيتو الصارم غير مناسب إطلاقًا للمرضعات. لأن التقليل الحاد من الكربوهيدرات قد يؤثر فورًا في مستويات الطاقة وكمية الحليب. ويبقى البديل الأفضل هو نظام متوازن يعتمد على الكربوهيدرات المعقدة والبروتينات.

وفي ختام هذا الموضوع، يعتمد المسار الأفضل لتحقيق خسارة الوزن أثناء الرضاعة الطبيعية بأمان على الصبر والنظر إلى هذه المرحلة كرحلة تعافٍ وتغذية مشتركة لكِ ولرضيعكِ.

منح جسمك الوقت الكافي للتكيف مع التغيرات الهرمونية، والاعتماد على التغذية المتوازنة ذات الحصص المحددة، والنشاط البدني التدريجي كفيلٌ بضمان وصولكِ إلى وزنك المثالي بثبات واستدامة دون التضحية بصحة طفلك أو جودة حليبه.

شارك الموضوع
فريق يارا

فريق المحرّرين بموقع «مجلة يارا».

اكتب تعليقًا