بزنس وريادة أعمال

هل المال أصل كلّ الشرور فعلاً؟ كيف تُعيدين تشكيل علاقة صحية بالمال؟

هل المال أصل كلّ الشرور فعلاً؟ كيف تُعيدين تشكيل علاقة صحية بالمال؟
شارك الموضوع

ما نتعقده ونفكّر فيه بخصوص أمرٍ ما يُملي طبيعة العلاقة التي تجمعنا به. وكذلك نوعية النتائج والعواقب التي تُفضي عن تلك العلاقة.

وبين ضغوط الفواتير المتراكمة، وتكاليف المعيشة المتصاعدة، والأحلام المهنية المؤجلة بسبب ضيق الإمكانات. تجد الكثير من النساء أنفسهن عالقات في دائرة مغلقة من القلق المالي. في خضم هذا المخاض اليومي، قد يتحوّل المال في الأذهان إلى ما يشبه “العدو الخفي” أو الشرير الذي يتربص براحتنا. وقد يُعزى العجز أحيانًا إلى فكرة أن المال هو أصل كلّ الشرور.

وعلى الرغم من أهمية الخطوات العملية المعتادة. مثل العمل الإضافي، وتوسيع المدخرات، وتعلّم مهارات الإدارة المالية. إلا أنها وحدها لا تفسّر أبدًا سبب بقاء العديد من الكفاءات النسائية عالقات في النقطة نفسها من التردّد والخوف. يكمن السرّ العميق وراء ذلك في طبيعة العلاقة النفسية والمعتقدات المكتسبة التي تشكلّت منذ الطفولة تجاه المال، والسلطة الاقتصادية، ومفهوم الاستحقاق.

لا تنشأ عقلية التبعية الاقتصادية بين عشية وضحاها. بل تُبنى عبر تراكم بطيء لرسائل غير مرئية نتلقاها من الأسرة والمحيط الاجتماعي والمدرسة.

الأفكار الموروثة: تنشأ عادة الفتاة في محيط اجتماعي متشبّع بمنظومة فكرية تضع المرأة في خانة الاعتمادية المادية وانتظار فارس الأحلام الذي سينتشلها من براثن الفقر. تتعدّد المغالطات الفكرية الشائعة التي مفادها أن المرأة لا تحتاج إلى المال طالما هناك رجل يعيلها”، أو “الطموح المالي يفسد الأنوثة”. وبالتالي تتسلّل تلك الأفكار تدريجيًا إلى اللاوعي لتتحوّل إلى قناعات راسخة.

فقدان الاستحقاق: تربية الفتيات على أن الأمان المادي يأتي حصريًا من الزواج، وأن طلب زيادة الراتب يفتقر إلى اللياقة، يخلق ما يمكن وصفه بـ “فقر الاستحقاق”. هنا لا تعاني المرأة من ضعف الكفاءة. بل من شعور خفيّ بأنها غير جديرة بالفرص الكبرى والنجاح المالي الذي يطمح إليه الرجال علانية.

الهوية والانتماء: عندما يترسخ في الاعتقاد الشخصي أن الاستقلال الاقتصادي يعني التمرّد أو فقدان فرص الزواج لأن الرجال عمومًا لا يفضلون الاقتران بامرأة قوية ومستقلة ماديًا. يتحوّل المال أنذاك من مجرد رقم في حساب مصرفي إلى “قضية هوية”. حينها، تصبح المتاعب المالية وسيلة لاوعية للبقاء داخل الصورة النمطية المقبولة مجتمعيًا.

عندما يعاني الإنسان من ضائقة ما، يميل بطبيعته إلى إسقاط مشاعره على الأشياء وإعطائها أبعادًا درامية. فنحن نتحسّر قائلين: “الرزق في جهة وأنا في جهة”، أو “الفرص المالية لم تخلق للأشخاص مثلي”، أو “ليس لديّ حظ في المال”.

هذه الشخصنة المفرطة للمال تحوله في أذهاننا إلى خصم أو طاغية يعاقب أناسًا ويكافئ آخرين بمزاجية. هذا التحول العاطفي المدمر يدفعنا نحو سلوكيات بالغة الضرر:

الهروب والمقاومة: التوقف عن متابعة مصاريف الإنفاق والحساب البنكي، أو فتح فواتير الدين، خوفًا من المواجهة المباشرة التي تثير القلق والتوتر.

الإنفاق العاطفي (Emotional spending): التأرجح المستمر بين التقشف المبالغ فيه كنوع من الحرمان العقابي، والإنفاق الاندفاعي المؤقت لتعويض الفراغ النفسي والضغط المعيشي.

التبرير المقنع: تبني مقولات مسبقة مثل “الأغنياء أنانيون” لحماية النفس من ألم الحرمان، وهو ما يغرس مقاومة عميقة تمنع العقل من قبول الثروة أو السماح لها بالتدفق.

في الفيزياء، تولّد المقاومة احتكاكًا وحرارة. وفي المال، تولّد المقاومة ركودًا وهروبًا. لا يمكنك أن تجتذب أو تحسن إدارة ما تقضي وقتك في محاربته أو اتهامه بالشرّ أو الفساد.

إن بناء مستقبل مالي مستقر وإطلاق المشاريع الخاصة لا يحتاجان فقط إلى خطط عمل وجداول استثمارية. بل يتطلبان أولاً ثورة تصحيح في طريقة التفكير والوعي الذاتي المُوجّه نحو المال:

فصل القيمة الإنسانية عن الوضع المالي: رصيدك البنكي الحالي ليس شهادة على ذكائك، أو حكمًا نهائيًا على جدارتك كإنسان. إنه مؤشر رقمي متغيّر يمكن إعادة صياغته. بينما تبقى مهاراتك وقدرتك على التعلّم أصولاً ثابتة لا تهتز.

إعادة الاعتبار للمال ك”أداة”: تمامًا كالمنشار بيد النجار أو الحاسوب بيد المهندس؛ المال وسيلة محايدة لا تحمل نوايا شريرة ولا خيرَة لذاتها. وبالتأكيد إنه أداة لشراء الوقت، وتطوير المهارات، وبناء الاستقرار، وصنع تأثير إيجابي في المحيط. ويمكن تحقيقه بالسعي الجاد والذكاء المالي وحسن إدارة الحياة.

القبول الجذري للواقع: إنكار الأزمة أو الدخول في دوامة لوم الذات والظروف يستنزف طاقة ذهنية ثمينة. لذلك، ينقل الاعتراف بالواقع بجرأة ؛ (“هذا هو وضعي الحالي، فما هي الخطوة العملية التالية؟”) التركيز الفوري من اجترار المشكلة إلى صناعة الحلول.

توسيع المدارك من خلال النماذج الناجحة: لا يسعى الإنسان بطبيعته خلف ما يعتبره مستحيلاً. لذا، يُساعد الاطلاع على قصص النساء اللواتي نجحن في كسر هذه القيود وبناء إمبراطورياتهن الاقتصادية على إرسال إشارات إلى اللاوعي بأن التحديّات القديمة لم تعد قائمة.

تُؤكد دراسة شاملة أصدرتها شركة “Equitable” الأميركية تحت عنوان “المرأة، المال، والعلاقات” أن الحالة الاجتماعية للمرأة ومحطات حياتها المختلفة تؤدي دورًا جوهريًا في تشكيل سلوكياتها وثقتها المالية.

فقد أظهرت النتائج التي استندت إلى استطلاع واسع النطاق شمل أكثر من 1200 امرأة أميركية (إلى جانب عينة إضافية لتغطية مختلف الحالات الاجتماعية كالعازبات، المتزوجات، المطلقات، والأرامل عبر مختلف الأجيال العمرية، فضلاً عن مشاركة 500 رجل للمقارنة) أن النساء يميلن بطبيعتهن للتركيز على الاحتياجات المالية المباشرة وقصيرة الأمد. بينما تتأثر ثقتهن في إدارة الأصول طويلة الأمد (مثل الادخار للتقاعد والاستثمار) بشكل ملحوظ بالتغيرات الحياتية الكبرى؛ كالطلاق أو الترمل.

حيث تشعر نسبة كبيرة من النساء المنفصلات أو الأرامل بندم شديد لعدم انخراطهن المبكّر في صنع القرار المالي. وفي المقابل، تُثبت الأبحاث أن النساء اللاتي يستعنّ بخبراء ماليين ترتفع لديهن مستويات الثقة، والأمان، والوضوح في بناء خطط مستقبلية مستدامة، ما يؤكد أن الوعي المالي المبكٌر والاستباقي هو الدرع الأهم لتجاوز مطبّات الحياة.

المال ليس أصل كلّ الشرور، ولا هو بالعدو الذي يقف حائلاً بينك وبين النجاح الذي تصبين إليه. إنه فضاء محايد يعكس بصدق منظومة المعتقدات الكامنة في أعماقنا.

حين تتوقفين عن خوض معركة وهمية مع المال، وتتحررين من عقلية التبعية والخوف، وتتعاملين معه بمنطق الخبير والمهندس، لا بمنطق الخصم والمأزوم؛ ستتفرغ طاقاتك الذهنية والنفسية لتطوير دخلك، وإدارة مواردك، وبناء استقلالك الحقيقي بكل ثقة واقتدار.

شارك الموضوع
زهرة غماني

مديرة التحرير ومؤسسة مجلة «يارا».

اكتب تعليقًا