تتصدر قضية احتجاجات فرنسا الأخيرة المشهد الإعلامي والاجتماعي في أوروبا. بعد خروج مئات الآلاف من طلاب المدارس الثانوية والجامعات إلى الشوارع في حراك متزامن يمتد من باريس إلى عدة عواصم أوروبية. ويثير هذا المشهد المُتصاعد تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت هذه الاضطرابات نتاجًا لأزمات اقتصادية ومعيشية قاسية فحسب! أم أنها تكشف عن تحديات نفسية عميقة تتعلق بمدى قدرة الجيل الرقمي الجديد على التكيّف مع الضغوط مقارنةً بالأجيال السابقة.
ولذلك، يستعرض هذا المقال في بدايته آخر التطورات الميدانية في فرنسا والبلدان الأوروبية المجاورة. ثم ينتقل إلى تفكيك الأسباب الواقعية المباشرة للأزمة، وتحليل علاقتها بالمرونة النفسية لدى شباب جيل زد. كما يقدم خارطة طريق تربوية عملية تساعد الآباء والأمهات على استيعاب أبنائهم من هذا الجيل وبناء توازنهم النفسي في أوقات الأزمات.
تصاعد الإجراءات الأمنية والاقتصادية المشددة في احتجاجات فرنسا
تشهد القارة الأوروبية موجة احتجاجات واسعة النطاق تضع عدة دول أمام تحديات أمنية واقتصادية متداخلة. وتتصدر فرنسا هذا المشهد المضطرب بعد اندلاع مظاهرات حاشدة شارك فيها ما لا يقل عن 550 ألف شخص في مدن مختلفة. بينما قدرت النقابات العمالية أعداد المشاركين بنحو 800 ألف مُتظاهر.
وانطلقت شرارة هذا الحراك من مدرسة “أنطوان دو سانت إكزوبيري” الثانوية في مدينة كريتاي جنوب شرق باريس منتصف شهر سبتمبر الماضي. حيث أضرب المعلمون وانضم إليهم الطلاب احتجاجًا على إلغاء الوظائف ونقص التمويل المزمن وتردي المرافق التعليمية. قبل أن تتسع رقعة الغضب لتشمل الجامعات وحركة “السترات الصفراء” والمزارعين وناشطي المناخ رفضًا لارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وخفض الإنفاق العام.
إضافة إلى ذلك، تحولت بعض المسيرات الاحتجاجية في باريس وليون ومرسيليا إلى مواجهات عنيفة مع قوات الشرطة وأعمال شغب طالت نحو 3 آلاف متجر. في حين التهمت النيران مبنى البلدية التاريخي بمدينة ليموج الذي يعود تشييده إلى عام 1883. ونتيجةً لذلك، أعلنت السلطات الفرنسية تنفيذ نحو 2700 عملية اعتقال وإصابة مئات من عناصر الشرطة والإطفاء. كما فرضت حظر تجول ليليًا في أجزاء من باريس وليل ونيس ومرسيليا (شمل القاصرين دون 18 عامًا في مرسيليا). ودفعت بعناصر من الجيش الفرنسي لمساندة قوات الأمن في حماية النظام العام.
بينما قررت متاحف ومعارض كبرى مثل متحف اللوفر ومؤسسة “لوي فويتون” ومعرض “آرت بازل باريس” إغلاق أبوابها تحسبًا لتجدد الاضطرابات. بالتزامن مع توجه الرئيس إيمانويل ماكرون نحو حظر التظاهرات غير النقابية بعد اتهامه مجموعات من اليسار المتطرف بتنفيذ أعمال تحريضية. وسط ضغوط مالية دفعت عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز حاجز %5 للمرة الأولى منذ عام 2002.
امتداد الحراك الطلابي والشعبي إلى سائر الدول الأوروبية
تمتد هذه الموجة الاحتجاجية المتزامنة لتشمل دولًا أوروبية أخرى تشهد حراكًا طلابيًا وشعبيًا مشابهًا في التوقيت والمطالب. ففي إيطاليا، دفعت الاشتباكات الميدانية وأعمال النهب في محيط ساحة “دومو” بمدينة ميلانو الحكومة إلى إرسال 500 عنصر من الجيش لدعم قوات الأمن. بعد اعتقال 271 شابًا تبين أن %80 منهم قاصرون خرجوا مع طلاب المدارس والجامعات والمزارعين للاحتجاج على التضخم وتردي الخدمات العامة.
ومن ناحيةٍ أخرى، خرج الشباب والنقابات في مدينتي لييج وبروكسل في بلجيكا ضد خطط التقشف الحكومية الرامية إلى توفير 10 مليارات يورو. والتي تتضمن خفضًا بقيمة 500 مليون يورو في ميزانية التعليم حتى عام 2029 وزيادة الرسوم الدراسية وإلغاء تذاكر المواصلات المخفضة للشباب. وفي السياق ذاته، نصب المحتجون في مدينتي لشبونة وبورتو في البرتغال عشرات الخيام رفضًا لارتفاع أسعار العقارات بنسبة %130 منذ عام 2013 وزيادة الإيجارات الجديدة بنسبة %10.2. تزامنًا مع دخول احتجاجات السكن في ساحة “بويرتا ديل سول” بالعاصمة الإسبانية مدريد أسبوعها الرابع إثر وفاة المسنة المتقاعدة ماريكارمن أباسكال (87 عامًا) بعد إخلائها قسريًا من شقتها نتيجة رفع إيجارها بنسبة %275. ما أفضى إلى الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة.
وبالمثل، تظاهر نحو 6 آلاف طالب وباحث في النمسا ضد مقترحات خفض ميزانيات الجامعات بمليار يورو. ونصب طلاب الجامعات في العاصمة اليونانية أثينا مخيمًا احتجاجيًا أمام البرلمان. بينما واجه آلاف المحتجين والطلاب في العاصمة الألبانية تيرانا الغاز المسيل للدموع خلال مظاهراتهم ضد رسوم التسجيل الجامعي والفساد ونقص الفرص المهنية. في حين يواصل الطلاب في صربيا وألمانيا تحركاتهم المطلبية والسياسية وسط استنفار أمني واسع.
الأبعاد الاجتماعية والنفسية: بين الأسباب الواقعية المباشرة والاحتراق النفسي لدى جيل زد
يثير الحضور الكثيف لطلاب المدارس الثانوية والجامعات والقاصرين في احتجاجات فرنسا تساؤلًا جوهريًا لدى الباحثين حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الغضب: هل ينبع هذا الحراك من أزمات مادية ومعيشية مباشرة، أم يعكس هشاشةً نفسيةً وضعفًا في المرونة النفسية مقارنةً بالأجيال السابقة؟ تكشف المعطيات الميدانية والاقتصادية أن هذه الاحتجاجات تستند في المقام الأول إلى أسباب واقعية وملموسة تضغط بشكل مباشر على حاضر الشباب ومستقبلهم؛ وتتمثل هذه الأسباب المباشرة في النقاط الآتية:
⟵ تراجع تمويل التعليم العام: إلغاء نسبة كبيرة من الوظائف التعليمية ونقص المعلمين. واكتظاظ قاعات المحاضرات وتردي مرافق المدارس والجامعات في فرنسا والنمسا واليونان.
⟵ ارتفاع الأعباء المالية الطلابية: زيادة الرسوم الدراسية الجامعية في بلجيكا وألبانيا. وإلغاء امتيازات النقل المخفضة المخصصة للشباب.
⟵ تفاقم أزمة السكن والإيجارات: قفزات قياسية في أسعار العقارات والإيجارات كما في البرتغال وإسبانيا. ما يحول دون استقلال الشباب سكنيًا.
⟵ التضخم وتآكل القدرة الشرائية: ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية مع تجميد الأجور. وتطبيق سياسات التقشف وخفض الإنفاق الحكومي للسيطرة على الديون العامة وتكاليف الاقتراض.
وبناءً على تلك المعطيات، لا تنطلق هذه التحركات من فراغ. بل تعبر عن قلق وجودي واقتصادي مبكّر لدى جيل يدرك حجم المخاطر المالية ويبحث عن الأمان الوظيفي والمعيشي في بيئة عالمية مضطربة.
ما الذي يميّز جيل زد ويضعه في قلب الثورات والاحتجاجات؟
يمتلك جيل زد منظومة خاصيات فريدة بوصفه أول “جيل رقمي أصلي” (Digital Native) ولد في قلب الثورة التقنية ولم يعرف العالم قبل الإنترنت. ما جعل الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي امتدادًا طبيعيًا لهويته وتفكيره. ويتميز أبناء هذا الجيل بسرعة التعلم الذاتي، وتعدد المهارات التقنية الفطرية. والوعي المبكر بالتخطيط المالي والادخار والاستثمار عبر التكنولوجيا المالية (FinTech). إلى جانب التزامهم بإنجاز المهام بكفاءة عندما تتوفر بيئة تفاعلية تحترم التوازن بين العمل والحياة.
وفي المقابل، يعيش هذا الجيل حالة “ازدواجية العيش” بين الفضاء الافتراضي والواقع المادي. حيث يقضي كثير من أفراده أكثر من 6 ساعات يوميًا أمام الشاشات، ما يولد لديهم شعورًا بـ”الوحدة الرقمية” والفراغ العاطفي. ويضعف مهارات التواصل اللفظي المباشر وقراءة لغة الجسد، مع حساسية مفرطة تجاه النقد وتشتت في التركيز العميق. ومن الناحية القيمية، يرفض جيل زد الأطر التقليدية الصارمة والسلطة العمودية القائمة على الأوامر. بينما يثمن %90 منهم التواصل المباشر القائم على الحوار والاحترام المتبادل. ويطالبون بالشفافية والمساءلة والعدالة الاجتماعية.
إلى الآباء والأمهات: حلول تربوية ونفسية عملية لتعزيز مرونة أبنائكم النفسية
يتطلب التعامل السليم مع أبناء جيل زد في ظل الأحداث الكبرى والأزمات الاقتصادية تحولًا واعيًا في أساليب التربية الأبوية. بحيث ينتقل الآباء والأمهات من دور السلطة الآمرة أو النقد المستمر إلى دور الشريك المحاور والداعم لبناء المرونة النفسية.
قد يعجبك أيضًا: أثر المعاملة الوالدية على الصحة النفسية للطفل
وانطلاقًا من دروس احتجاجات فرنسا وأوروبا التي أظهرت حاجة الشباب إلى من يستمع لمطالبهم ويحتوي قلقهم بدلًا من الاكتفاء بالمقاربات العقابية. يستطيع الوالدان تطبيق مجموعة من الحلول التربوية والنفسية العملية لتعزيز توازن أبنائهم وحمايتهم من الاحتراق النفسي:
⟵ اعتماد الحوار الأفقي والإنصات الفعال: يفضل أن يستمع الآباء والأمهات لمخاوف أبنائهم الاقتصادية والتعليمية بجدية واحترام. دون التقليل من شأن مشاعرهم أو مقارنتهم بتجارب الأجيال السابقة. ما يبني جسور الثقة ويخفف من شعورهم بالعزلة.
⟵ سد فجوة المهارات العاطفية والمرونة النفسية: يدرب الوالدان الأبناء عمليًا على إدارة الإحباط وتجزئة الأهداف الطموحة إلى خطوات واقعية متدرجة. مع التركيز على قيمة المحاولة والتعلم بدلًا من الهوس بالنجاح الفوري السريع.
⟵ تنظيم الاستهلاك الرقمي وتخفيف التحفيز المفرط: يتفق الآباء مع الأبناء على أوقات محددة للابتعاد عن الشاشات وتدفقات الأخبار المقلقة والمقارنات الافتراضية. ويشجعونهم على الأنشطة الواقعية والرياضية. واللقاءات الأسرية التي تعالج “الوحدة الرقمية” وتُحسن جودة النوم والتركيز.
⟵ توجيه الطاقات نحو المبادرة الإيجابية والمسؤولية: يشرك الوالدان أبناءهم في التخطيط المالي الأسري والعمل التطوعي والمشاريع المبتكرة. بهدف تحويل قلقهم من المستقبل ورغبتهم في التغيير إلى فاعلية بنّاءة تحميهم من الانجراف وراء العنف أو الاستسلام للاحتراق النفسي.
تؤكد القراءة المتأنية لملف احتجاجات فرنسا وغضب جيل زد في القارة الأوروبية أن هذا الحراك الشبابي لا ينفصل عن الأزمات الاقتصادية والتعليمية والمعيشية الواقعية. لكنه يتأثر في الوقت ذاته بطبيعة التكوين الرقمي والنفسي لجيل يواجه ضغوطًا غير مسبوقة.
ولذلك، تثمر المعالجة الحكيمة لهذه الظاهرة عندما تتكامل السياسات العامة العادلة مع الاحتواء الأسري والتربوي الواعي. بحيث يتحول وعي جيل زد وطموحه المرتفع من وقود للغضب والإنهاك العاطفي إلى طاقة إيجابية بنّاءة تسهم في تطوير المجتمعات واستقرارها.