تربية وعلم نفس

أدب الطفل: ماذا تعلّمنا رواية الأمير الصغير؟

أدب الطفل: ماذا تعلّمنا رواية الأمير الصغير؟
شارك الموضوع

أدب الطفل ليس مجرد وسيلة للتسلية أو تمضية الوقت. بل هو بوابة للتعلّم، وبناء القيم، وفهم العالم من منظور إنساني بسيط وعميق. إذ يمثّل حجر الزاوية في محو الأمية المبكرة وتنمية الخيال لدى الصغار.

وتعد رواية الأمير الصغير واحدة من أهم وأشهر القصص التي حملت في طيّاتها رسائل تربوية وفلسفية خالدة تخاطب الطفل والبالغ على حدّ سواء.

أدب الطفل هو كل إنتاج أدبي يهدف إلى مخاطبة الأطفال بلغة تتناسب مع مراحلهم العمرية. ويُعرّف بأنه مجموعة الأعمال المكتوبة والرسوم التوضيحية المصاحبة لها، المصممة لتسلية الصغار أو تعليمهم. ويشمل ذلك الكلاسيكيات العالمية وكتب الصور والحكايات الخرافية والقصص الخيالية والأنشودات. يتسم هذا النوع الأدبي بالبساطة، والخيال، والرمزية، على الرغم من أنه قد يميل إلى الحبكة المعقّدة أحيانًا. ويهدف إلى غرس القيم، وتنمية الذكاء العاطفي، وتعزيز المهارات اللغوية والذهنية.

وبعد بروزه كشكل أدبي مستقل في النصف الثاني من القرن 18، شهد القرن 19 فترة ازدهار لأدب الأطفال، حيث رأت الضوء “مغامرات أليس في بلاد العجائب” للكاتب لويس كارول. إلى جانب تطور أنواع أدبية محددة، بما في ذلك قصص المدارس، وحكايات المغامرات، والروايات التاريخية. وأصبح أدب الأطفال يحظى بمكانة محترمة كفرع أدبي معترفٍ به خلال القرن العشرين. مع العلم أن ما نعتبره الآن أدبًا للأطفال كان موجودًا في التراث الشفهي والفولكلور الشعبي في العديد من الثقافات لقرون مضت.

على الرغم من اختلاف الأزمنة والأساليب الأدبية، تتقاطع هذه الأعمال بخلفياتها الثقافية المختلفة في مجموعة من القيم الجوهرية التي تهدف لتشكيل وعي الطفل واليافع وتنمية شخصيته. فنجد أغلبها يشجّع الطفل على أن يكون ذكيًا وفطنًا، رحيمًا وعادلًا، شجاعًا في قول الحق والدفاع عن المظلومين ونصرة العدالة.

حيث يدفع القالب القصصي ذو المحتوى التعليمي أو الترفيهي إلى بناء شخصية طفل واع وجدانيًا، قادر على التمييز والاختيار وباحث عن المعرفة والحرية. وقادر على مقاومة الظلم بالحكمة أو الخيال أو السلوك الناضج الرصين. إلى جانب العديد من المزايا الأخرى التي نخص بالذكر منها الآتي:

غرس القيم الأخلاقية مثل الصدق، والمحبة، وتحمل المسؤولية.

تعزيز الخيال والإبداع من خلال شخصيات ومواقف غير مألوفة.

تنمية المهارات اللغوية والمفردات لدى الأطفال.

فهم الذات والآخر عبر التماهي مع الشخصيات والتفاعل مع الأحداث.

التحفيز العاطفي وتعلم أساليب وطرق التعبير عن المشاعر بطريقة صحية.

تعتبر رواية الأمير الصغير (The Little Prince) للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري (Antoine de Saint-Exupéry) من روائع أدب الطفل العالمي. ورغم أنها موجهة للأطفال، إلا أنها تحمل رسائل فلسفية عميقة موجهة للبالغين أيضًا. ومن أبرز القيم التي تقدمها الرواية، نجد الآتي:

الصدق والبساطة: يعلّمنا الأمير الصغير أن نرى العالم بعيون القلب والإحساس لا بعقل الكبار المعقد والجامد. فليس كل شيء قابل لتحليله بالمنطق.

حس المسؤولية تجاه من نحبّ ونرعى: عندما يستوعب الأمير الصغير حكمة الثعلب حول مسؤوليته تجاه الزهرة التي يحب، فإنه يزرع في الطفل القارئ مفهوم الارتباط والمسؤولية تجاه من يحب. فالحب مسؤولية.

أهمية الحب والرعاية: يظهر ذلك جليًا في علاقة الأمير الصغير بالزهرة التي شاهدها تنمو أمام عينيه من برعم صغير إلى زهرة جميلة يسقيها كل يوم ويحميها من الرياح.

الحس النقدي: يظهر من خلال انتقاد الأمير الصغير لمظاهر مجتمعية جافة وسطحية عايشها في سفره بين كواكب قابل فيها شخصيات ترمز للغرور، والسلطة، والروتين الأجوف الممل.

ثمة في الأدب العربي المعاصر والقديم عدد من الأعمال المشهورة. بعضها موجه مباشرة للأطفال، والبعض الآخر يناسب الشباب اليافع على نحوٍ أفضل. حيث تزخر تلك الأعمال بالقيم الإنسانية النبيلة مثل الشجاعة، والإقدام والرحمة، والتعاطف. ومن أكثر مؤلفات هذا النوع الأدبي شهرة بين جماهير القراء الصغار في الوطن العربي نذكر التالي:

كليلة ودمنة لمؤلفها عبد الله بن المقفّع، وقد نقلها عن مؤلفها الهندي الأصل. وهي عبارة عن مجموعة حكايات وقصص رمزية تروى على لسان الحيوانات. تقدم حكمًا في السياسة والأخلاق والحياة.

ألف ليلة وليلة، وهي مجموعة حكايات فُولكلُورِيّة تحكيها شخصية شهرزاد للملك شهريار لتنقذ النساء من القتل، مستخدمة الحيلة والحكمة. ومن ضمن أشهر تلك الحكايات؛ علي بابا والأربعون لصًا، ومغامرات السندباد البحري. ترسخ هذه القصص الشعبية قيمًا مهمة كالإبداع، والحكمة، ومقاومة الظلم بالحيلة.

الراعي الطيب للكاتب المصري عبد التواب يوسف، وهو من أبرز رواد أدب الأطفال في الوطن العربي. وتدور القصة حول راعٍ شجاع يدافع عن قريته بالحيلة والذكاء رغم بساطته. إذ يتسم بحبه للحيوانات وتقديره للطبيعة، ولطفه وتعامله الودود الطيب.

يعتمد ذلك على المرحلة العمرية للطفل. فسلسلة هاري بوتر (Harry Potter) تقع في منطقة وسطى بين أدب الطفل وأدب اليافعين، وتتطور عبر الأجزاء لتناسب فئات عمرية مختلفة.

فالجزء الأول والثاني؛ “هاري بوتر وحجر الفيلسوف” و”هاري بوتر وحجرة الأسرار” يُناسبان القراء من عمر 9 إلى 12 سنة. ويتميزان بالمغامرة، والخيال، والشخصيات البسيطة في محيط مدرسي مألوف لدى الأطفال. أما الأجزاء الأخرى، فتناسب اليافعين من 13 إلى 16 سنة. إذ تصبح الموضوعات أعمق وأكثر قتامة. حيث تتعلق بالموت، والهوية، والتمرد، والحب، والمسؤولية الأخلاقية.

وعلى الرغم من أن السلسة مصنفة ضمن قسم كتب الأطفال في المكتبات، غير أن بعض موضوعاتها في أجزاء لاحقة مثل الصدمة، الحرب، الخيانة، الموت التي تجعل من الأفضل أن تُقرأ بالتدرج، مع نضج القارئ الصغير وانتقاله خلال المراحل العمرية المختلفة. لذلك، يمكن القول أن سلسلة هاري بوتر هي نموذج فريد لأدب الطفل الذي يتسم بمعايير فنية وأدبية عالية.

وختامًا، قد يكون أدب الطفل أداة تعليمية فعالة، لكن دعونا لا ننسى أنه من أنجع الوسائل التي قد يلجأ إليها الآباء والمربون لتربية الذوق والحس الجمالي للطفل. لذا، نجد أن بعض هذه الأعمال ليست موجهة للأطفال الصغار مباشرة، لكنها تُقرأ ضمن أدب “الناشئة” أو “اليافعين”، وتُدرّس أحيانًا في المدارس أو يُعرض منها مقتطفات في المناهج الدراسية.

شارك الموضوع
فريق يارا

فريق المحرّرين بموقع «يارا».